خليل الصفدي
29
نكت الهميان في نكت العميان
كنت كاذبا فصيرك اللّه كما كنت ، ثم أتى الأعمى في صورته وهيئته ، فقال له مثل ما قال ، فقال : كنت أعمى فرد اللّه علىّ بصرى ، فخذ ما شئت ودع ما شئت ، فو اللّه لا أجهدك اليوم بشئ أخذته للّه ، فقال : أمسك مالك ، فإنما ابتليتم ، فقد رضى عنك وسخط على صاحبيك » « 1 » . قال الوزير عون الدين يحيى بن محمد بن هبيرة ، رحمه اللّه تعالى ، بعد ما أورد هذا الحديث في كتاب الإفصاح : البلاء إلى السلامة أقرب من العافية إليها ، ألا ترى كيف هلك مع السلامة اثنان ونجا واحد . وقد دل هذا الحديث على أن الصبر على البلاء قد يكون خيرا للمبتلى ، فإنه بان بمعافاة الأقرع والأبرص أن المرض كان أصلح لهما ؛ لأن العافية كانت سببا لهلاكهما ، وقد حذر هذا الحديث من كان في ضرّ فسأل زواله فلم ير الإجابة أن يتهم القدر ، فإن اللّه ينظر للعبد في الأصلح والعبد لا يعلم للعواقب . انتهى . قلت : ليس هذا الكلام بمستقيم ؛ لأنه لم يطابق الواقع ؛ لأن الثلاثة كانوا في بلاء ، وسألوا بأجمعهم العافية ، وخار اللّه لأحدهم ولم يخر للباقيين ، ولكن الصواب أن يسأل اللّه في العافية من البلاء والتوفيق إلى رضاه ، وأما كون اللّه تعالى نجّى الأعمى وأهلك الأقرع والأبرص ، فهذا أمر لا يعلّل ولا يعقل ، وهو من أسرار القدر ، فسبحان الفاعل المختار ، لا يعلم أسرار القضاء والقدر إلا هو ، لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ [ الأنبياء : 23 ] . قد ينعم اللّه بالبلوى وإن عظمت * ويبتلى اللّه بعض القوم بالنعم وعن عمر بن عبد العزيز ، رضى اللّه تعالى عنه ، عمن حدثه أن حبيب بن فورك خرج به أبوه إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وعيناه مبيضّتان لا يبصر بهما شيئا ، فسأله رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عما أصابه ، فقال : إني كنت أمون جملا لي ، فوضعت رجلي على بيض حية فابيضت عيناي ، فنفث رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في عينيه فأبصر ، فلقد رأيته يدخل الخيط في الإبرة وهو ابن ثمانين . ويؤيد هذا الحديث الحديث المشهور في عين قتادة . أخبرنا الحافظ الرّحلة الشيخ فتح الدين أبو الفتح محمد بن محمد بن محمد بن أحمد بن سيد الناس اليعمري ، رحمه اللّه
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في صحيحه ( 4 / 208 ) ، ومسلم في صحيحه ( 8 / 213 ) .